مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

12

تفسير مقتنيات الدرر

باليد واللَّسان والقلب وبالسيف والقول والكتاب وكلَّها من درجات الجهاد . واعلم أنّ مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما أحدهما ترك المنهيّات وإليه الإشارة بقوله : « اتَّقُوا اللَّه » وثانيهما فعل المأمورات وإليه الإشارة بقوله تعالى : « وابْتَغُوا إِلَيْه الْوَسِيلَةَ » ولمّا كان ترك المنهيّات مقدّما على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدّمه في الذكر لأنّ الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصليّ . والفعل هو الإيقاع والتحصيل ولا شكّ أنّ عدم جميع المحدثات سابق على وجودها فكان الترك قبل الفعل لا محالة . فإن قيل : لم جعلت الوسيلة مخصوصة بالفعل مع أنّا نعلم أنّ ترك المعاصي قد يتوسّل به إلى اللَّه لأنّ الترك كما قيل : إبقاء الشيء على عدمه الأصليّ وذلك العدم المستمرّ لا يمكن التوسّل به إلى شيء بل إنّما يحصل التوسّل إذا دعا داعي الشهوة إلى فعل قبيح فتركه لطلب رضاء اللَّه فيحصل التوسّل بذلك الامتناع وذلك الامتناع من باب الأفعال فإنّ ترك الشيء عبارة عن فعل ضدّه فالفعل هو الاستغراق في الطاعة والترك هو الإعراض عن نهيه فإعراض المنهيّ عنه هو فعل أيضا ، وأهل الرياضة يسمّون الفعل والترك بالتحلية والتخلية ، وبالمحو والصحو ، وبالنفي والإثبات ، وبالفناء والبقاء ، ولذلك قدّم النفي على الإثبات في قولنا : لا إله إلَّا اللَّه . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 36 إلى 37 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ومِثْلَه مَعَه لِيَفْتَدُوا بِه مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 36 ) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها ولَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 37 ) قوله تعالى : الجملة المذكورة مع كلمة « لو » خبر إنّ . فإن قيل : لم وحّد الضمير في « به » مع أنّ المذكور السابق بيان ما في الأرض جميعا ومثله ؟ فالمعنى : ليفتدوا بذلك المذكور ، أي أنّ الكفّار لا سبيل لهم إلى الخلاص منه . قال النبيّ صلى اللَّه عليه وآله : يقال للكافر يوم القيامة : لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به ؟ فيقول : نعم ، فيقال له : قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت * ( [ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ ] ) * ويتمنّون الخروج منها . قالوا : الإرادة هنا بمعنى التمنّى وقيل : معناه الإرادة